الأربعاء، 29 يوليو، 2009

شلال الفصول الثمانية

شلال الفصول الثمانية

شعر


الإهداء

إلى من عزفت شرايينهم على وتر وجع القدس. ونشروا أشلاءهم بذوراً في رحم الأرض لينبت الحنون فوق أغصان الزيتون، وتكحلت من دمائهم أجفان الشمس، وتلونت خدود الأرض بألوان الفصول.

إلى من ركبوا صهوة المخاطر، وتاهوا بين ألم القيد ولحن القهر، وأفلت من أعمارهم سنين الطفولة والصبا. ينتظرون صحوة الضمير لينعموا بالحرية.

إلى أبنائي الذين أناروا دروبي، ومسحوا دمع غربتي.


رحاب كنعان
ملحمة الحزن الفلسطيني

تعيش خنساء فلسطين في هذا الديوان تجربة خاصة، تنبع من خصوصية التجربة الفلسطينية بعامة، فالحزن والألم داخل النص الشعري عندها، يسري في حروف النص وكلماته وتراكيبه، تلحظه داخل الصورة، والموسيقى والإيقاع، يذوب ذوبان السحر وقت السَحر.
هكذا بدت هذه التجربة، أفقها الألم والحزن، وعنوانها الاستشراف والمستقبل الواعد. فهذا الحزن وهذا الألم جديد بصورته ونوعيته، لم نعهده من قبل، لا يقف عند لحظة الحاضر، ولا يتباكى على الماضي أو يتحسر عليه، بل يمثل عند الشاعرة صرخة قوية ومدوية، في وجه كل المنهزمين والمتخاذلين, هذه المعاني كلها جمعتها الشاعرة مما أعطى تجربتها الموضوعية والفنية، عمقاً أكبر ودلالة أعظم.
نحن إزاء شعر عميق بإيحاءاته، وحتى نستطيع قراءة القصيدة لا بد من أن نسمح لمشاعرنا بالانطلاق عبر قصائد الديوان، وهكذا يسير الديوان متأرجحاً بين الأمل والألم، وكأني بالشاعرة ترفض الاستسلام للجرح رغم عمقه، فتجعل من الأمل ملاذاً لها للخروج من آلامها وأحزانها، فرغم الألم والحزن الذي تعيشه مع قصائد "ثلج الليل"، و"شموخ اللوز"، نجدها تطلع علينا بالأمل المشرق الواعد مع قصائد أخرى مثل: "القسم المنذور"، و"مقصلة الحدود"، ونطير معها في آفاق الأمل عبر قصيدة "العروبة المتصدعة".
إضافة إلى ما سبق، يختلط الشعر عند خنساء فلسطين بتراب الأرض ويمتزج بأهازيج الناس. تقرأ القصيدة منفردة فتشعر أنك أمام محطة أخرى لا تصل من خلالها للعمق المطلوب للإحاطة بكل معانيها ودلالاتها. إلا إذا قرأت القصيدة التي تليها، حتى تصل إلى آخر قصائد الديوان فهناك حوار واضح بين القصائد، وتشابك يجمع بينها في لوحة فنية متكاملة.
نحن أمام تشكيلة من الشعر، شعر وعى الذات، فمنها القصيدة القصيرة، أشبه بالتوقيعات، ومنها القصائد الطوال، تجتمع جميعها في هذا الديوان، لتصبح ملحمة يمكن تسميتها (ملحمة الحزن الفلسطيني).
إضافة إلى الشحنات الشعورية والكتل النفسية التي تنطلق من قصائد هذا الديوان، نرى شعراً جديداً في بنائه الفني من شعر التفعيلة، مما أعطى للشاعرة فرصة لإطلاق مشاعرها الحبيسة، لتتحول القصيدة عند خنساء فلسطين إلى حالة إنسانية، فالحزن ليس حزناً فلسطينياً، فهي تسير معه ليصبح حزناً إنسانياً وعاماً، تخاطب به الآباء والأمهات والأخوة والأخوات كلهم.
د. سعيد محمد الفيومي












خنساء فلسطين تنهض كالفينيق

لعبت المرأة الفلسطينية العديد من الأدوار في الكفاح، والنضال، ومقاومة الاحتلال. وأخذت نصيبها مع الرجل في المعاناة والقهر، ودعم الثورة والثوار. وكانت دائماً في قلب الحدث فاعلة، ومؤثرة. وذلك منذ بدايات القرن العشرين، وما زالت، وعلى مختلف الأصعدة.
شاعرتنا شاعرة ملتزمة ومناضلة لم تبدأ بكتابة الشعر في سن مبكرة، ولم تكتب وتتعثر، ولم تكتب قصيدة عاطفية لزميلها في الدراسة أو لابن جيرانها ولكنها بعد مجزرة تل الزعتر التي استشهد فيها (51) شهيداً من عائلتها - وهو ما أطلقت عليه العرس الأسطوري، وادخلها في سجل الخنساوات- تفتقت عندها موهبة الشعر. وانطلقت تكتب شعراً تفوح منه رائحة الزعتر ممزوجاً بالدم وأشلاء الشهداء.
لقد كان الحدث غير عادي، عندما أخبروها بموت الأم، والأب، والأخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، وأبنائهم، فلم تتأثر من تلك الأخبار التي لا يمكن أن تحدث في الحياة العادية، أو أن يستوعبها العقل. ولكنها لما وصلت تل الزعتر وشاهدت آثار المجزرة خانتها رجليها فسقطت فوق الركام فاقدة للوعي، وللشعور بالزمان والمكان. وقبل أن تلتقط أنفاسها منيت بثلاثة من الشهداء في مجزرة صبرا وشاتيلا، منهم ابنها وفلذة كبدها (ماهر) الذي تمنت دائماً لو أنها شاهدته شهيداً وودعدته بالزغاريد. وتمنت أن يرسل لها رسالة من الجنة لتشعر بأنه يضمها، ويرتاح على صدرها، فتمسح عينيه، وتضمد جراحه، وتقبل وجنتيه.
وبعد المجزرتين عادت رحاب كنعان لتنهض كالفينيق متحدية وصابرة ومحتسبة شهداءها عند الله. فكان ديوانها الأول (البسمة المجروحة) بكل ما يحمله من ألم ودموع. تقول في قصيدتها "بساط المنفى":
الشوق يموء بين أضلعي
والدمعة سكنت جفوني
بكتني النجوم والقمر
فقلت:
ـ" آه.. يا وطني ها أنا قد عدت"
عبرت فيه الشاعرة رحاب كنعان عن ذاتها ومأساتها وعن المرأة الفلسطينية وما عانته في المنفى من مآس عظيمة عميقة مدمرة تقطر أسى وسواداً.
وبعد عقد ونيف عادت (خنساء فلسطين) تحث عينيها أن تجودا بالبكاء، حيث لم يف الديوان الأول بكم الحزن والألم الذي يغلي في داخلها، ولذلك عادت لرثاء الأم والأب، والأخ والأخت، والابن الذين اعتقدت أنهم سيكونون آخر الشهداء، فإذا بها تجد أن القدر الفلسطيني يفاجئنا في كل يوم بشهداء جدد. وإذا كان الشهداء السابقون قد فقدتهم في المنفى، فإن قافلة الشهداء لا زالت تزيد وتقدم المزيد من الشهداء على أرض الوطن، وإذا بها وهي التي هربت من المنفى وألم الفقد عادت لترى الشهداء والشهيدات، الأسرى والأسيرات، الكبار والشباب والأطفال، يستشهدون ويروون بدمائهم ثرى الوطن. ولذلك وجدت نفسها تعود للرثاء مرة أخرى، فهذا هو قدر الفلسطينيين في المنفى وفي أرض الرباط.
في ديوانها هذا لا زالت القصائد - في مجملها – تدور حول قضية واحدة هي القضية الفلسطينية، بكل ما فيها من صنوف الألم والنفي، والمجازر والعذاب. لقد عادت للقضية وهي التي بدأت الحديث عنها بحماس كبير منذ أن دخلت القضية حياتها في مجزرة "تل الزعتر".
كتبت في المجزرتين وكأنها تؤرخ لهما بكل ما فيهما من ظلم وظلام وألم ودموع، ولم تكتف بما أرخته لهما في كتابها - تل الزعتر مملكة التنك وجمهورية الثوار(
[1])، والذي اعتبره إنجازاً عظيماً. ففي الوقت الذي يسعى العالم إلى طمس ما حدث في المجزرتين، نبشت رحاب كنعان الذاكرة، وأرخت للأحداث برؤية نسائية تحدت بها كل أدوات المحو.
ولقد عنونت هذا الديوان بـ" شلال الفصول الثمانية" فلقد مرت عليها كل المصائب والهموم وصنوف الفقد والضياع في يوم واحد.
وبالرغم من كل الألم والحزن وبالرغم من كل الفصول التي مرت عليها وعاشتها حتى أنها لم تعد عندها أربعة فصول بل ثمانية، ولم تعد دموعاً بل شلالات من النهر الأحمر، مع ذلك لم تنس الثوابت فإذا بها تقدم القدس عاصمة فلسطين الموحدة والأبدية على الشهداء، لتلحق بها غزة هاشم الغالية، ثم تتوالى النصوص للشهداء، والأسرى.. فليس من السهل فصل الوطنية والقومية عن الشعر.
وكما لم تنس شاعرتنا الوطن فإنها لم تنس الوطن العربي، ولذلك جزعت لسقوط بغداد عاصمة الدولة العباسية، التي باتت توأم فلسطين، وصاحت بالعروبة المتصدعة وبالعرب أن يهبوا ويرفضوا الظلم والخنوع.
لقد غلب الحزن على نصوص ومفردات الشاعرة فكانت الأحلام موجوعة، والبسمة مجروحة، والليل ذو أنياب... ولم يستطع معجمها اللغوي أن يتجاوز المجازر، والشهداء، والقضبان، والسجان، والدماء، والألم، والدموع، والغربة، والوطن، والحنين.
ولا نجانب الصواب إذا قلنا إن الشاعرة تحيا في قلب قضيتها، وإنها لم تزل تعيش في حالة من الحزن الصوفي، ففي داخلها إحساس هائل بالانكسار الأبدي نتيجة ما رأت عينها في المجازر. ومن أين يأتي الفرح، وقد جفت عروق القلب من الأحزان؟
وبالرغم من أن رحاب كنعان كانت تكتب الشعر الملتزم إلا أنها مع ذلك تحدت المجتمع حتى تكتب وتنشر أعمالها. فلقد أعاقها الكثيرون، وحاولوا الوقوف في وجه كتاباتها ومحاولاتها للنشر والانتشار.
مع ذلك تحدت وكتبت وحتى عندما كتبت في القضايا الوطنية فإنها عبرت عنها من خلال ذاتها في الغالب، تقول (شيرين أبو النجا):" إن المرأة عندما تفكر/ تكتب الوطن لا يمكن أن تنفصل عن الخاص، بل إنها تسعى إلى التحرر من محدودية الخاص عبر هدم الحواجز الوهمية المقامة بين الخاص والعام"(
[2]).
وكانت بين الفينة والأخرى تتفلت منها بعض العبارات التي تحمل شيئاً من الهم الأنثوي، فهي تتألم لتلك الطفولة الحزينة لتي عاشتها، تقول:
أجتر طفولة.. ماتت في خلاياها الأفراح
وتتساءل أين أمها لتسرح شعرها، وتمسك بيدها لتعلمها كتابة الحروف، وتزغرد لها يوم نضوجها ويوم فرحها؟ تقول:
فيا ليت لحضنك عود
ليبدل يباسي...
وتتساءل: فهل مَنْ ثوى يعود؟
لماذا انتهينا من اللقاء يا أمي؟
لماذا سلكنا طريق البعاد
حتى ضاعت خطانا
في حقول الحرمان
وهي تحن كغيرها من النساء إلى أبيها وأخيها وأختها وتتمنى لو أنها لم تحرم منهم بعد الاستشهاد، وتتمنى لو أنهم لعبوا دورهم المعتاد في حياتها، وتتمنى لو أنها عاشت حياة - على الأقل- عادية كغيرها من النساء.
والشاعرة وفي مرحلة معينة وقبل فوات الأوان تتذكر كأي امرأة أن العمر قد سرقها وأنها قد بلغت الأربعين.
وإنني أتساءل هل تستطيع خنساء فلسطين أن تتجاوز محنتها في دواوين قادمة، وتتجاوز القضايا الوطنية إلى القضايا الذاتية، وإلى آفاق جديدة، وعوالم مختلفة.
د. مي عمر نايف
قالونيا- القدس










لؤلؤة الخشوع

إهداء إلى أرواح الشهداء:
الرئيس الرمز أبو عمار،
الشيخ أحمد ياسين،
أبو علي مصطفى،
فتحي الشقاقي..
وكل الشهداء
لن تنحني..
لن يكتم الهديل في أحلامنا
يا لؤلؤة الخشوع يا أسطورة الإجلال
ي.. ا..
ف.. ر.. ح.. ت.. ي..
يا فرحاً زرعته فوق مقصلة الهوية
ي.. ا..
أ.. م.. ل.. ي..
يا أملا سيورق من فوق أجنحة البندقية
رغم اكتئاب الزمان
رغم ظلام المكان
ورغم الشتاء الذي..
يستعد لجدل الدموع
وتجنيد الدماء.. وفواجع الفصول
ورنين الخلخال
..ي....ا..
..ق..
..د..
..س..
إنا على راحتيك نصلب الأحزان
نضاجع الموت والأغلال
..ي.. ..ا..
..ق..
..د..
س..
فاتحة الصبح أنت
وصمت عصافيرنا في الغروب
وخزان دم.. يدق بأجراسه..
أبواب وردة الشتاء
زرعنا النشيد وصايا
لمئذنة المساء
وصايا من الشهداء
لتبقي إلى أبد الدهر
عهداً.. وفجراً جديدا
وبسمة سيف
إلى كل نصر وليد

يا نجمة السطور التي
لا ترمي عباءتها من الشرفات
يا نبتة الريحان
ولى زمان الرحيل
شموخا..
ليعلو بك المجد.. والنجم
وتعلو السماء

لأجلك.. صرنا رموز فداء
وسرب صقور من الكبرياء
يا نبتة الريحان
أرواحنا مضمخة بالزعتر والغار
ترفرف مسرورة
حول عرش السماء
شموخا.. شموخا

هنيئا لك الآن هذا الشموخ
وأنا على العهد
حتى الوصال.










([1] ) تل الزعتر مملكة التنك وجمهورية الثوار، شاهد على التاريخ: المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة - فلسطين، 2001 (دراسة).
([2]) شرين أبو النجا، مفهوم الوطن في فكر الكاتبة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2003.

الجمعة، 17 يوليو، 2009

شموخ اللوز

شموخ اللوز


أمي من خلف القضبان
رأيت ضفائرك تتدلي
من عيون الشمس
تبشرني بشموخ اللوز

مهما تجبر السجان
....فها أنذا يا أماه....

أعانق / طيفك .....
اصنع عطرا لك....
من حنايا أحلامي الموجوعة
وأتوق لأحضانك الموزعة
بين الأجداث و الهناشير
لتضمد جراح سلاسل
تنصهر من لهيب أشواق
.....تنتظر يديك....
لتلبس وجهي
بعد سنين الحرمان
فابتهلي يا أماه
بصلاة الفجر والصحي
نهوض الصهيل
ليري معصما
رقم تقطيع أوصال الأرحام
وتكحيل أجفانها
ببقايا أضرحة
صنعت المجد
وشرفت سطور التاريخ




رحاب كنعان/ خنساء فلسطين
10/رمضان2005